ابن الفارض

156

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

إلّا الواحد ، وفي القول بفيضها إشارة إلى الفيض الأقدس الذاتي المتعذّر على العقول القاصرة بإدراكه ، وذلك أنّ فيض الوجود من الذات على قسمين : فيض ذاتي [ 193 / ق ] في عالم القدرة من غير توسّط تأثير الصفات ، وقبول الاستعدادات ، وهو إفاضة وجود الصفات ، وتنوّع الاستعدادات في الذوات ، وفيض صفاتي في عالم الحكمة يصدر عن الذات بواسطة تأثير الصّفات وقبول الاستعدادات ، ولا يهتدي العقل الموكل بعالم الأسباب إلّا إلى هذا الفيض ، وخصّ الأنبياء - صلّى اللّه عليهم أجمعين - وخواص متابعيهم بإدراك الفيض الأقدس الذاتي لاهتدائهم إلى ذلك بالعقل المكتحل عنه بنور الهداية الناظر إلى عالم القدرة بعين البصيرة ، فقوله : ( وجادت ) أي أفاضت الذات بفيضها الأقدس الوجود الاستعدادي الحسّي للذوات حالة خلوّها عن استعداد كسب وجود عينيّ واستعدادات لإفاضة الوجود الاستعدادي قبل استعداد شيء من الذّوات ، وتهيئتها للقبول ؛ ولما كان الروح الأعظم أول فيض الذات ، ثم النفس الكلّية فاضت منها بواسطة الروح ، وقام بوجودهما كل ما في الوجود من الأشباح والأرواح ، قال : فبالنّفس أشباح الوجود تنعّمت * وبالرّوح أرواح الشّهود تهنّت أخبر عن الروح والنفس الكلّيتين الفائضتين من الذات اللّتين هما أعظم العوالم بأن أشباح الوجود ، وهي صور الكائنات تنعّمت بالنفس ، أي اتّخذت نعمة الوجود وغيره من موجدها بواسطة النفس ، وبأن أرواح الشهود جمع شاهد بمعنى حاضر ، ( تهنّت بالروح ) أي : هنأت الأرواح الحاضرة عند الروح بعضها من بعض بوصولها إلى عللها فتهنّت ، ولما فرغ من بيان الاتّحاد الواقع بينه وبين محبوبته ، والواشي واللّاحي ذاتا وصفة أخذ في بيان حال السّماع ، وتأثيره فيه بالإسكار والإطراب ، وتأثّره منه بالوجد والاضطراب لما يتوقع فيه من رحم الظنون ورمي الأوهام أنه ينافي الاتحاد المذكور ، فإن الإسكار والإطراب يشعران بمناجاة حال غريب وموافاة أمر عصيب ، والوجد والاضطراب يؤذنان بوجدان مفقود وفقد موجود [ 194 / ق ] وهو المحبوب ، فلا يكون المحبّ والمحبوب ذاتا واحدة ، فأزال تلك الظنون والأوهام بقوله : فحال شهودي : بين ساع لأفقه * ولاح مراع رفقه بالنّصيحة شهيد بحالي في السّماع لجاذبي * قضاء مقرّيّ ، أو ممرّ قضيّتي